في حياتنا أيام لا تمضى، وإن مضى أصحابها؛ تبقى فى الذاكرة مثل صورة قديمة لم يبهت لونها، وكلما عدنا إليها عاد معنا العمر نفسه بوجوهه وأصواته وأحلامه الأولى. وهكذا أعود اليوم، بعد نصف قرن، إلى عام 1976؛ إلى دفعة لم نكن نعرف يومها أنها ستصبح جزءًا من ذاكرة الصحافة والإعلام المصرى، وإلى أستاذ كبير ترك فى نفوسنا أثرًا تجاوز حدود الدراسة والمهنة. محظوظ أنا، ومحظوظة دفعتي، لأننا تعلمنا على يد الراحل الكبير جلال الدين الحمامصى.
البداية كانت فى معهد الإعلام، ثم تحول المعهد إلى كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وتخرجنا نحن دفعة 1976 فى الكلية، فى واحدة من البدايات المبكرة لهذا الصرح الذى أصبح فيما بعد مدرسة كبرى لتخريج أجيال الصحفيين والإعلاميين. وأتذكر الآن يوم المقابلة الشخصية؛ كان نحو 700 متقدم يحلمون بالالتحاق بهذا المكان، وبعضنا ترك كلية جاءته بالتنسيق واختار الإعلام لأنه أحب الصحافة وأراد أن يعيشها. دخلنا المقابلة، فوجدنا، ضمن لجنة الامتحان، رجلًا زحف الشعر الأبيض على رأسه، فزاده وقارًا؛ هادئ الطباع، صبورًا، دائم الابتسام، يجذبك إلى الحوار دون أن يفرض نفسه عليك.
عرفنا الحمامصى صحفيًا كبيرًا قبل أن نعرفه أستاذًا؛ قرأنًا عن خبرته فى هندسة الصحف وإخراجها، وعن كتاباته وحملاته الصحفية ورئاسته لصحف ومؤسسات إعلامية. لكننا اكتشفنا أن أعظم أدواره كان فى تلاميذه. كان أول من حدثنا عن الصحافة المثالية، وعن الحرية التى لا تنفصل عن المسؤولية، وعن الكلمة التى يجب أن تحترم الحقيقة والإنسان. كنا نصدر «صوت الجامعة»، نحررها ونوزعها فى الكليات، وكان يقرأ ما نكتب ويناقشنا فى أخطائنا المهنية، لا ليقول لنا فقط: هذا خطأ، وإنما ليسألنا: لماذا؟ وكان يحفزنا على الاختلاف والابتكار، ويحترم حقنا فى أن نختلف معه. وهكذا تعلمنا أن الصحفى لا يردد، بل يفكر، وأن الاختلاف وسيلة للفهم لا سببًا للخصومة.
علمنا الحمامصى أن الصحافة تبدأ من الناس؛ من البسطاء، ومن أصحاب المشكلات، ومن أصحاب الرسائل التى تبحث عن صوت. وكان ذلك واضحًا فى عموده الشهير «دخان فى الهواء». منه تعلمنا أن الصحفى لا يعيش فوق الناس، وإنما بينهم، وأن أعظم القضايا قد تبدأ من شكوى صغيرة أو رسالة عابرة. وتعلمنا أيضًا أن الطموح وحده لا يكفى؛ فالحلم يحتاج إلى إرادة، والموهبة تحتاج إلى معرفة، والمهنة تحتاج إلى ضمير.
ويبدو طبيعيًا أن يكون الحمامصى بالنسبة لنا أكثر من أستاذ. فقد كان مدرسة إنسانية ومهنية. وكان أثره الحقيقى فى تلاميذه الذين خرجوا من الكلية إلى الصحف والإذاعة والتليفزيون والعمل الأكاديمى والمؤسسات المختلفة. ومن بين أسماء دفعتنا التى أتذكرها: د. ليلى عبد المجيد، ود. نجوى كامل، وعمرو عبدالسميع، ود. مرعى مدكور، وآمال عبدالسلام، وسناء الكراس، وسميحة إدريس، ومحمد حسن البنا، وصفوت أبوطالب، وعبدالله السناوى، وعبدالمنصف شكر، وفايز عبد الهادى، ومحمد الشرايدى، ومحمد فتح الله، ودرع فواز، وفلدان دوح، ومديحة النحراوى، وغيرهم ممن لا تزال أسماؤهم حاضرة، أو رحلوا عن عالمنا، رحمهم الله. كما تعلمنا على أيدى أساتذة كبار، منهم إبراهيم إمام، وخليل صابات، وجيهان رشتى، ومختار التهامى، وسامى عزيز، وعواطف عبد الرحمن، وسمير حسين، وعلى عجوة، وجمال العطيفي، وحسن حنفى، ومفيد شهاب، وحامد ربيع، وعز الدين فودة، وغيرهم ممن منحونا العلم الحقيقى ووضعوا أقدامنا على أولى درجات المهنة.
واليوم، بعد خمسين عامًا، أحسنت د. ليلى عبد المجيد، بنت دفعتنا وأول عميدة من خريجي الكلية، حين دعت إلى احتفال كبير فى جامعة القاهرة خلال أكتوبر المقبل لتكريم الدفعة الذهبية وخريجى الأقسام المختلفة. لكن أليست المناسبة أكبر من مجرد احتفال؟ لماذا لا تبادر نقابة الصحفيين بتكريم هذه الدفعة، وغيرها من الدفعات التاريخية؟ ولماذا لا تبادر كلية الإعلام بجامعة القاهرة إلى إصدار كتاب أو سلسلة توثيقية ترصد سير خريجى الدفعات الأولى: أين عملوا؟ وما المواقع التى شغلوها؟ وما أهم إنجازاتهم؟ أليس من حق الأجيال الجديدة أن تعرف من سبقها، ومن حق الجامعة أن تحفظ ذاكرتها المهنية؟
ربما يكون أجمل تكريم لنا أن تتحول الأسماء إلى سير، والسير إلى وثائق، والوثائق إلى ذاكرة. فالأشخاص يرحلون، والأيام تمضى، لكن التجربة تبقى إذا وجدت من يوثقها. وبعد نصف قرن، ما زلت أرى أن أجمل ما تركه لنا جلال الدين الحمامصى لم يكن درسًا فى التحرير أو الإخراج، وإنما طريقة فى النظر إلى المهنة والحياة: أن نفكر قبل أن نكتب، وأن نسأل قبل أن نحكم، وأن نختلف دون خصومة، وأن نتذكر دائمًا أن الصحافة، قبل أن تكون مهنة، رسالة.
وتبقي كلمة أخيرة.. دخلنا كلية الإعلام على يديه من خلال اختبارات شفوية وتحريرية استمرت لنحو 3 دفعات فقط؛ الأولى والثانية والثالثة.. وتعلمنا وتخرجنا على يديه. إنه الأستاذ والكاتب الكبير جلال الدين الحمامصى ..رحمه الله